الآلوسي

24

تفسير الآلوسي

والرحمة تقدم معناها وأتى بعلى إشارة إلى أنهم منغمسون في ذلك وقد غشيهم وتجللهم فهو أبلغ من اللام ، وجمع ( صلوات ) للإشارة إلى أنها مشتملة على أنواع كثيرة على حسب اختلاف الصفات التي بها الثناء والمعاصي التي تتعلق بها المغفرة ، وقيل : للإيذان بأن المراد صلاة بعد صلاة على حد التثنية في " لبيك وسعديك " وفيه أن مجيء الجمع لمجرد التكرار لم يوجد له نظير ، والتنوين فيها وكذا فيما عطف عليها للتفخيم والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لإظهار مزيد العناية بهم ، - ومن - ابتدائية ، وقيل : تبعيضية ، وثَمّ مضاف محذوف أي : من ( صلوات ) ربهم ، وأتى بالجملة اسمية للإشارة إلى أن نزول ذلك عليهم في الدنيا والآخرة . فقد أخرج ابن أبي حاتم ، والطبراني ، والبيهقي في " شعب الإيمان " عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً : " من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه " . * ( وَأُوْلَائكَ ) * إشارة كسابقه إلى الصابرين المنعوتين بما ذكر من النعوت ، والتكرير لإظهار كمال العناية بهم ، ويجوز أن يكون إشارة إليهم باعتبار حيازتهم ما ذكر من - الصلوات والرحمة - المترتبة على ما تقدم ، فعلى الأول المراد بالاعتداء في قوله عز شأنه * ( هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) * هو الاهتداء للحق والصواب مطلقاً ، والجملة مقررة لما قبل كأنه قيل : وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب ، ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى ، وعلى الثاني هو الاهتداء والفوز بالمطالب ، والمعنى : أولئك هم الفائزون بمطالبهم الدينية والدنيوية فإن من مال كما تزكية الله تعالى ورحمته لم يفته مطلب . ومن باب الإشارة والتأويل : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * الإيمان العياني * ( استعينوا بالصبر ) * معي عند سطوات تجليات عظمتي وكبريائي ، * ( والصلاة ) * أي الشهود الحقيقي * ( إن الله مع الصابرين ) * ( البقرة : 153 ) المطيقين لتجليات أنواري * ( ولا تقولوا لمن ) * يجعل فانياً مقتولاً في سلوك سبيل التوحيد * ( أموات ) * أي عجزة مساكين بل هم أحياء عند ربهم بالحياة الحقيقية الدائمة السرمدية شهداء لله تعالى قادرون به * ( ولكن لا تشعرون ) * ( البقرة : 154 ) لعمى بصيرتكم وحرمانكم من النور الذي تبصر به القلوب أعيان عالم القدس وحقائق الأرواح * ( ولنبلونكم بشيء من الخوف ) * أي خوفي الموجب لانكسار النفس وانهزامها * ( والجوع ) * الموجب لهتك البدن وضعف القوى ورفع حجاب الهوى وتضييق مجاري الشيطان إلى القلب * ( ونقص من الأموال ) * التي هي مواد الشهوات المقوية للنفس الزائدة في طغيانها * ( والأنفس ) * المستولية على القلب بصفاتها أو أنفس الأحباب الذين تأوون إليهم لتنقطعوا إلى * ( والثمرات ) * أي الملاذ النفسانية لتلتذوا بالمكاشفات والمعارف القلبية والمشاهدات الروحية عند صفاء بواطنكم وخلوص نضار قلوبكم بنار الرياضة * ( وبشر الصابرين ) * ( البقرة : 551 ) معي بي أو عن مألوفاتهم بلذة محبتي * ( الذين إذا أصباتهم مصيبة ) * من تصرفاتي فيهم شاهدوا آثار قدرتي بل أنوار تجليات صفتي واستسلموا وأيقنوا أنهم ملكي أتصرف فيه بتجلياتي وتفانوا فيّ وشاهدوا هلكهم بي - فقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات - من ربهم بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء المنهلة عليه صفاتي الساطعة عليه أنواري * ( ورحمة ) * أي هداية يهدون بها خلقي ، ومن أراد التوجه نحوي * ( وأولئك هم المهتدون ) * بي الواصلون إلى بعد تخلصهم من وجودهم الذي هو الذنب الأعظم عندي . * ( إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) * * ( إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ من شَعآئر اللَّهَ ) * لما أشار سبحانه فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالم الحج فكأنه جمع بين الحج والغزو ، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال ، وقيل : لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج